Image Not Found

الخطاب الديني في عصر العولمة والحداثة (11-21)

صادق بن حسن اللواتي

(11)

الدين هو تلك الصخرة الثابتة على مر العصور ، وفي المقابل نجد العلم يقف على صخرة يأخذ معلوات عن الكون والفضاء ، ويطلع على خبايا الطبيعة وأسراره المادية . نحن عندما نخاطب هذا الإنسان بأي لسان نخاطبه ؟ هل بلسان الدين أم بلسان العلم ؟ ، كثير من المجتمعات الإسلامية لديها برامج تثقيفية على مدار السنة ، البعض منها تجلب الخطباء من الخارج ، والبعض تستفيد من خبراتها المحلية و تقيم ندوات ثقافية المهم هناك فعاليات ثقافية متنوعة ، ولو قمنا بدراسة هذه الفعاليات وأردنا معرفة هدف إقامتها ، سنجد أنها جميعا متفقة في رؤية واحدة وهي ضرورة تنمية العقل الإنساني .

وهذه التنمية تأخذ مسارين ، الأول : ربط الإنسان بالمعبود وهي وظيفة الدين ، والثاني ارتباط الإنسان مع الطبيعة والظواهرالطبيعية ، فيقوم بدراستها لإستخراج نتائج يستفيد منها على جميع الأصعدة . وإذا نظرنا إلى الماضي نجد الجدال كان قائما على النقل والعقل ، حتى ادعت الطوائف الدينية إن المعتقدات الدينية التي تتبناها لا تتعارض مع العقل ، والفقهاء عندما يصدرون الفتاوى يقولون هذه الفتوى أو التلك موافقة للنقل والعقل ، فأخذت الفتوى والمعتقدات طابع التقديس .

ولكن ما توصل إليه العلم لا ياخذ نفس الطابع، لماذا ؟ لأن العلم قائم على منهجية التجربة والبرهان ، و التقديس لا يدخل ضمن النشاط المعرفي ، ولا يتضمن الأبعاد المختلفة للمعرفة هنا يقع التصادم بين النقل والعقل ، وهذا التصادم منشئه من أين من الدين أم من العلم ؟ ركزوا معي رجاء

نحن عرفنا سابقا أن كل دين وما يحتويه من المعارف ، تبحث في علم الاجتماع ، وعند حصولنا على إجابات نقول وصلنا إلى معرفة كنه هذا الشيئ ، إذن الأمر يتعلق بمستوى ونوع المعرفة ، وهذه المعرفة إما عام أو خاص بمعنى أنك تريد معرفة علم أصول الفقه عند الشيعة ، هذه نظرية المعرفة في أي شيئ ؟ في استنباط الأحكام الفقيهة ، ولكن هل هذه النظرية يقبلها كل الشيعة أم لا ؟ الجواب كلا ، إذن هذه النظرية خاصة وليست عامة ، لأن هناك مساعي في فصل بين العقل والنقل ويسمى هؤلاء بالإخباريين.

فهل ينفع مع الإخباريين البحث السندي في علم الجرح والتعديل أم لا ينفع ؟ لا ينفع ، إذن حجية الإداركات العقلية حجة عندهم أ م ليس بحجة ؟ ليس بحجة لأنهم يقولون النقل أولا وإذا تعارض الحكم نأخذ بحجية العقل ، بشرط أن يثبت الإمام حجية حكم العقل .

يقول الشيخ الأنصاري (1) “أن تمسكنا بكلامهم عليهم السلام فقد عصمنا من الخطأ، وإن تمسكنا بغيرهم لم نعصم منه، يقول والمستفاد من قوله عدم حجية إدراكات العقل في غير المحسوسات ما تكون مبادئه قريبة من الإحساس وقد استحسن المحدث الجزائري هذه المسألة و قال بأنه وتحقيق المقام يقتضي ما ذهب إليه، فإن قلت قد عزلت العقل عن الحكم في الأصول والفروع فهل يبقى له حكم في مسألة من المسائل، قلت أما البديهيات فهي للعقل وحده”.

إذن البديهات فقط للعقل والباقي للنقل يقول الشيخ النصاري (2) “وأما مازاد عن ذلك فهي للنقل وهو الحاكم، وأما النظريات فإن إما ما تعارض أي العقلي والنقلي فلا شك عندنا في ترجيح النقل وعدم الالتفات إلى ما حكم به العقل” هنا تم إغلاق باب إثبات وجود الله عقلا الذي هو عزوجل قبل النقل ، فكيف نثبت حجية النقل ؟ .

تعالوا معي إلى المجلسي (3) ماذا يقول في باب العلم ” لا يخفى عليك بعد التدبر في هذا الخبر وأضراب هذا الخبرأنهم (يعني الأئمة) سدوا باب العقل بعد معرفة الإمام ، وأمروا بأخذ جميع الأمور منهم ونهوا عن الإتكال على العقول الناقصة في كل بابٍ”
المجلسي يقول العقل حجة حتى يثبت لك الإمام واذا لا نقول له بعتبيرنا العامي (اطلع بره) ، بمعنى أنت محترم حتى تثبت لي من عند الإمام مثلا أنت تقول إن العين المسلحة في رؤية الهلال حجة علمية عقلية يؤخذ بها ، المجلسي يقول لا بأس ائتني الإثبات على ذلك من عند الإمام وإلا أخرج من بيتي .

هذا المنهج ما زال يعمل به ويسوق له عبر المنابر ولكن بشكل آخر من خلال خط الطول و خط العرض ، ولكن النتيجة واحدة الاعتماد على النقل، إذهبوا واسمعوا المحاضرات للخطباء المتأخرين ، وهذا أخطر منهج في المباني الفقهية عند الإخباريين ، ثقوا تماما إن هذا المنهج يسري على كل باب في الأصول والفروع.

سناخذ مثال في تأسيس المنهج الإخباري ، قال السيد منير الخباز (4) ” أن السيد الخوئي عند ه اتحاد الافاق فيبدأ الميقات” بمعنى إذا شوهد الهلال في بلد مع أفق واحد لبلد مجاور، يبدا عندهم الميقات (الهلال) فإذا ثبت الهلال في إيران عند الولي الفقيه ثبت عند الآخرين ، علما أن الشهيد الصدر في الفتاوى الواضحة (5) ذكر كيف يمكن إثبات رؤية الهلال بأمرين ،
(الأول): الرؤية المباشرة بالعين الاعتيادية المجردة فعلا لان رؤية الهلال فعلا تثبت للرائي ان القمر قد خرج من المحاق وان بالامكان رؤيته والا لما رآه فعلا.
(الثاني) شهادة الآخرين برؤيتهم فإذا لم يكن الشخص قد رأى الهلال مباشرة ولكن شهد الآخرون برؤيتهم له كفاه ذلك. ثم يشرح قواعد الشهود ليس محل بحثنا

سؤال شهادة الولي الفقيه تكفي في إثبات الرؤية أم لا ؟ حسب مبنى الشهيد الصدر نعم تكفي لأنه الفقيه العادل ، وحسب مبنى السيد الخوئي (رحمه الله) أيضا تكفي لأن إيران في نفس الأفق مع العراق ومع باقي الدول الخليجية ، ممتاز .

سئل الولي الفقيه هذا السؤال (6) ما هو حکم الرؤية بالآلات و هل رؤية‌ صورة الهلال بواسطة منظار CCD و انعکاس الضوء و مراجعة‌ المعلومات الملتقطة بالکمبيوتر تکفي لإثبات أول الشهر؟

الجواب : لا يختلف حكم الرؤية بالعين المسلحة عن الرؤية بالعين المجردة وهي معتبرة ايضاً. والملاك هو صدق عنوان الرؤية عليه، فالرؤية بالعين أو النظارة أو التلسكوب حكمها واحد ، نعم الانعكاس على الكومبيوتر الذي لا يعلم صدق عنوان الرؤية عليه فيه إشكال.

نكمل بحثنا في الحلقة (12) إن شاء الله تعالى ….. إلى اللقاء

المصادر
(1)الشيخ الأنصاري ، فرائد الأصول ، جزء 1 ص 35
(2) نفس المصدر السابق
(3) باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، المجلد الثاني ص 314
(4) السيد منير الخباز ، العلم والفقه ، تصادم أم تناغم ؟ هل ثبوت الهلال أنموذج لاختلاف العلم والفقه ، 18- 9-1443 هجري – مسجد الرسول الأعظم (ص) – مطرح – سلطنة عمان ، السيد منير الخباز ذكر فتوى الشيهد ” أن بداية الشهر القمري الشرعي تتوقف على أمرين خروج القمر من المحاق وكون الهلال ممكن الرؤية بالعين ” ولم يكمل الباقي ، عموما حسب مباني السيد السيستاني فإنه لا يؤمن بإتحاد الأفق ولا بشهادة العلم
(5) الشهيد محمد باقر الصدر ، الفتاوى الواضحة ، الصفحة التي ذكرها السيد منير الخباز هي 627 ، النسخة التي بحوزتنا رقم الصفحة 508 ،https://www.youtube.com/watch?v=IqyJ9KYtCUg
(6) شبكة السراح في الطريق إلى الله (الإلكترونية) ، أحكام رؤية الهلال – فتاوى السيد الخامنئي ،

(12)

كان حديثنا حول العلم والعقل ، عندما توقف دور العقل برز لنا الدور الأخباري الذي وقف عند ظاهر الآية القرأنية ، وظاهرالحديث النبوي الشريف . ولطالما اهتم الباحثون المسلمون وغير المسلمين بالأديان والملل، وكتبوا مصنفات عديدة وصنفوها في كتب الأهواء والملل والنحل ، إلا أن ذهنية الكثير من المسلمين لم تتحرر، من تلك الأهواء ، ولم تزل تلك النظرة المذهبية إن صح التعبير الدوغمائية تتحكم على مصالح الأمة أو ملة أو مذهب .

هذه الذهنية التي تدعي بأنها فوق الجميع ، فوق الخطاب القرأني وفوق الخطاب النبوي الشريف ، حتى شاع إسلام شيعي بمختلف طوائفه ، وإسلام صوفي بمختلف طرقه ، وإسلام سني بمختلف مذاهبه ، ورفض كل ما هو خارج عن مصالحها ، فألغيت الذهنية المنفتحة على الآخرين ، وألغيت ذهنية الدفاع عن حقوق الإنسان . والسر في ذلك أن العقل الحديث لم يتقيد بتعاليم أصالة الإنسان ، وإنما اكتفى بما هو مكتوب ضمن ثقافة غيره ، هنا اصبح ضروريا تفضيل المعنى الجهل المؤسسي على المعرفة المنيرة ، فإذا ما وقع الإختيار بينهما فأي المعنى ستختار الجهل المؤسسي أم المعرفة المنيرة ؟

لنقل أنك ستختارالمعرفة المنيرة لأنه الجهل لا يفيدك في شيئ ، فإذن عليك إعادة قراءة لما يقدمه الخطاب الديني عامة ، والخطاب القرأني خاصة .القرأن لا يوجد فيه خطاب عنصري ، لا يوجد فيه خطاب اصطفافي ، لا يوجد فيه خطاب مذهبي ، لا يوجد فيه خطاب لتمرير مصالح معينة . واعتقد أن الخطاب النبوي أيضا لا يخرج عن هذه المواصفات الخطابية القرأنية ، أليس كذلك . ممتاز

نحن وضعنا مواصفات الخطاب القرأني ، دعوني ألتمس طفرة معرفية في الخطاب الديني عامة ، هذه الطفرة لا تمس العقيدة في محتواها وممارستها ، وإنما تحليلها إلى مستوى أوسع وأكثرانفتاحا بما أضافته شروحات التأويل ، أقول هذا لكم لكيلا تتسرعوا إلى رفض القراءات التي اقترحها القران الكريم ، قد يقول قائل ، هل القرآن يقدم اقتراحات للناس ؟ الجواب أجل ، لكي لا يكون للناس على الله حجة

لنوضح لكم المعنى ، ترى كم من الدراسات القرأنية ظهرت في العالم ككل ؟ كثيرة أليس كذلك ، لو سطرنا بعض هذه الدراسات في قائمة واحدة مثلا المرأة في القران ، المجتعمات العربية عندما تريد الحديث عنها تضع مصطلحات تنطلق من خلالها في معالجة قضايا المرأ ة ، و هذه المصطلحات تغلف بغلاف ديني قرأني . سؤال المجتمعات العربية قسم واحد أم أقسام متعددة ؟ الجواب أقسام متعددة ، ما هي هذه الأقسام ؟ الجواب : مجتمع تقدمي ، مجتمع يساري ، مجتمع يميني ، مجتمع رجعي ، ما هو الفرق بين هذه المجتمعات ؟

الجواب مجتمع تقدمي :- هومجتمع يعمل لصالح الإصلاحات التدريجية في النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من خلال الإجراءات الحكومية بمعنى هو يقاوم التغييرات العامة ضمن إطار العام . مجتمع يساري:- هو مجتمع يدعو إلى العدالة الاجتماعية لكل البشر فهو يفكر في الجانب اليساري من السياسة . مجتمع يميني :- يدعو إلى احترام العادات والتقاليد لكل مجتمع بشري . مجتمع رجعي :- هو مجتمع الذي يدعو إلى الرجوع إلى عصر قديم حين كان الإنسان يركب الجمال والبغال في حله وترحاله .

هذه المجتمعات حين تتحدث عن المرأة، يتحول الذكر إلى ذكر متعصب ، فهم ينسون المبادئ التي بنو عليها مرجعيتهم ، لأنه هناك مصطلحات سيطرت على عقل هذا الإنسان واعتبرها من القرآن الكريم، ما هي هذه المصطلحات ؟ ركزوا معي على الجواب لأنني سانتقل إلى بحث آخر مشابه له مباشرة

أولا الشرف :- صفة تقيم سلوك الفرد في المجتمع ، كلمة ليس لها أساس قرأني، ولكن عندما يريدون التحدث عن شرف المرأة، يقرأؤون هذه الآية ” وَمَرْيَمَ اْبْنَتَ عِمْرَآن الٌتى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا (1) ، أحصنت تعني العفاف وليس الشرف .

ثانيا : العرض:- تعني شرف المرء أو سقفه الذي يستتر بها ، ولكنها كلمة ليس لها أصل قرأني ، وعندما يريدون التحدث في الأعراض يقرأؤون هذه الآية ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) (2) .

ثالثا الشهامة :- تعني متوقد الذكاء ولكنها كلمة ليس لها وجود في كتاب الله، وعندما يريدون التحدث فيه يقرأؤون هذه الآية (لَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(3)

رابعا المروءة :- تعني كمال الصفات في المواقف وهي صفة حسنة في الإنسان، ولكنها كلمة ليس لها وجود في كتاب الله العزيز، وعندما يريدون التحدث عن المروءة يقرأؤون هذه الآية “إن اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ” (4) .

خامسا : النخوة :- كلمة تعني الحماسة والمروءة ، كلمة ليس لها وجود في كتاب الله، و عندما يريدون التحدث عن النخوة يقرأؤون هذه الآية ” إن أكرمكم عند الله أتقاكم” (5)

هذه المصطلحات لو وجدت في القرأن الكريم لفهمه الإنسان العربي بشكل والإنسان البريطاني بشكل آخر علما إنها كلمات عربية فصحى ، أليس كذلك ، في الثقافة العربية شرف الرجل المرأة ، والمرأة لها شرف أم ليس لها شرف ؟ ليست شرفا للرجل في ثقافتنا ، ولو كانت كلمة الشرف موجودة في القرآن لقلنا أن القرأن من تأليف رسول الله (ص) وليس وحي منزل . إذن علينا أن نقيس ما جاء به القرأن في بعده العالمي وليس في بعده المحلي أو المذهبي .

نحن في الكتب الفقهية نقرأ هذه المصطلحات : الإحتياط الإستحبابي ، الإحتياط الوجوبي ، الأحوط لزوما ، الإستحالة ، الإستصحاب ، الشبهه المفهومية ، الشبهة المصداقية ، الشك الترديدي ، مجهول المالك . سؤال :- هذه المصطلحات لها أصل قرأني أم لا ؟

نكمل بحثنا في الحلقة (13) إن شاء الله تعالى ….. إلى اللقاء.

المصادر :-
(1)سورة التحريم آية 12
(2) سورة النور آية 31
(3) سورة القصص آية 23 – 24 ، الموقع الإلكتروني لدرر السنية ، دروس في الشهامة ، أحسن القصص ، جمعية القرأن الكريم للتوجيه والإرشاد ، بيروت ، لبنان ،
(4) سورة النحل ، آية 90 ، معاني الأخبار/ الشيخ الصدوق (ت: 381هـ)/ علي أكبر غفاري/ مطبعة انتشارات إسلامي/ ط1/ 1361هـ في تفسير البرهان عن إبن بابويه بإسناده عن عمرو بن عثمان قال: (خرج علي (ع) على أصحابه وهم يتذاكرون المروءة، فقال: أين أنتم من كتاب الله؟ قالوا: يا أمير المؤمنين في أي موضع؟ فقال في قوله عزَّ وجل: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ”
(5) سورة الحجرات ، آية 13 ، ميزان الحدمة ، محمد الريشهري ، ج 4 ص 3629

(13)

إن أي خطاب ديني له أنصار ، الخطاب الديني السني له أنصار ، الخطاب الديني الشيعي له أنصار ، الخطاب الديني الصوفي أو العرفاني له انصار، ولكل هؤلاء لهم توجهات معينة تمكنوا من خلال الخطاب احتواء أبعاد ما كان يرمي إليه هذا الخطاب الديني على لسانهم ، كون تفسيرهم وفهمهم قد اكتمل عند حدود جملة المبادئ التي مكنتهم من الاستناد عليها بإعتبارها تعاليم نسير ونعمل وفقها إلى يومنا هذا .

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل انتقلت إلى منهاج آخر ، إنفتح على أفق جديدة مكنتهم من الخروج باستراتيجيات تستفيد منها المجتمعات الإسلامية ،وهو فتح باب الاجتهاد مثلا عند الشيعة ، ظهرت لنا مدارس فقهية منها ، مدرسة الكوفة ، مدرسة كربلاء ، مدرسة أصفهان ، مدرسة النجف الأشرف ، مدرسة قم المقدسة (1)

وعند أهل السنة كان الاجتهاد بين فتح باب الاجتهاد تارة وغلق باب الاجتهاد تارة أخرى فظهرت مدارس فقهية منها مدرسة الصحابة ، مدرسة فقهاء مكة ، ومدرسة فقهاء المدينة ، ومدرسة فقهاء الكوفة (2)

كل هذه المدارس تمثل سلطة بذاتها ، تجمع أحيانا بين السلطة الدينية والسياسة معا وأحيانا تجمع السلطة الدينية وتحارب من خالفها ، والدولة التاريخية وظفت هذه المدارس للوصول إلى أغراضها وأهدافها الأيدلوجية ، وعملت على بناء إطار جديد لفهم الإسلام من الداخل واتخذته سبيلا لبلوغ غايتها، فظهر لنا مفهوم اختيار الفقيه حسب الأعلمية ، فهي مشابه بنظرية اختيار الحاكم بالشورى أم بالتعين.

فبتالي أصبح أمامنا اختيار أيدلوجي ، وظف به الدين بالطريقة نفسها دون وعي بتجلياتها الأيدلوجية ، وانتشر هذا الفكر بين عوام الناس أيضا دون وعي بتجلياتها الأيدلوجية ، فأصبح هذا الفكر ضمن مطالب الكثير من المجتمعات الإسلامية المعاصرة ، وحل محلها الإطار الروحي التي تعبر عن الجانب الأخروي التي ينشدها الإنسان المسلم ويسعى إلى تحقيقها ، وهذه الممارسة اللاشعورية أدت مفعولها المكبوت بتخارج في شكل مظاهر اجتماعية وثقافية .

لنوضح لكم المعنى أكثر ، سيد منير الخباز قال ما هو ضير ليكون للسادة الهاشمين الشيعة سهم من الخمس فتميز سنة قرآنية الله ميز بين الأنبياء وفضل بعضهم على بعض (3) إن هذا الإستخدام لفهم آية الخمس يفرض نفسه اليوم بكل عدوانية من خلال الحركات الإسلامية المعاصرة في العالم وهذه الحركات تدخل في صراع ضار مادام هذه التفاسير لآيات كتاب الله أخذت الجانب العنصري

مثلا هل يوجد فقراءالشيعة في السادة الهاشمين فقط ، هناك فقراء من نسل شمعون الصفاء وهناك فقراء من أحفاد نبي الله يعقوب وهناك فقراء أحفاد موسى كليم الله وهناك فقراء السادة الهاشمين من أهل السنة فهل تحدث القرآن في إعطائهم سهم من الخمس لهولاءالفقراء أم لا طالما هو كتاب جاء للعالمين ؟ سؤال حفيد نبي الله يوسف النبي سيد أم ليس بسيد ؟

الجواب بلحاظ التقسيم لنسل الأشراف فهو سيد مثلما حفيد خاتم النبيين (ص) سيد ، إذن الثقافة المعاصرة التي يتم ترويجها هو تجسيد لسلطة فقهية معينة تخول لنفسها أن تتحكم بزمام الأمور ، سؤال : ما هو حكم من لم يدفع سهم السادة من الخمس هل هو حرام أم مستحب أم احتياطا يجب التمييز ؟ ما هي المصطلحات الفقهية المستخدمة في الفقه ؟ ومتى يتم استخدامها ؟ الجواب ، ركزوا معي رجاءً

أولا : الاحتياط : الاحتياط المذكور في المسائل الشرعية على قسمين: واجب ومستحبّ، ويعبِّر عن الاحتياط الواجب بـ (يجب على الأحوط أو الأحوط وجوباً أو لزوماً، أو وجوبه مبنيّ على الاحتياط أو لا يترك مقتضى الاحتياط فيه) ونحو ذلك واللازم في موارد ،ويعبِّر عن الاحتياط المستحبّ بـ (الأحوط استحباباً) أو (الأحوط الأولى)

الاحتياط الواجب هو العمل بالاحتياط أو الرجوع إلى مجتهد آخر مع رعاية الأعلم فالأعلم وأمّا في موارد الاحتياط المستحبّ فيجوز ترك الاحتياط والعمل وفق الفتوى المخالفة له (4)
سؤال إعطاء سهم السادة واجب أم احتياط وجوبي أم احتياط استحبابي أم احتياط لزومي أي منهم ؟

الجواب دعونا أ ولا نأخذ بعض الأراء ومن ثم ننطلق لتوضيح المصطلحات الفقهية واستخداماتها في باب الخمس عند فقهاء الشعية ، السيد محمود الشاهرودي (5) يقول ” ما اختاره مشهور الأعلام في أزمتنا المتأخرة سهم الإمام في موارد يحرز فيها رضاك المصالح العامة وما فيه تشكيل قوائم الدين ودعائم الشرع ،وهذا القول رغم انه أحسن الأقوال المتقدمة ولكنه أيضاً كسائرها مبتنٍ على تصور خاطئ وهو معاملة سهم الإمام وكأنه مال شخصي للإمام كأمواله الشخصية الأخرى ، فحيث لا يمكن إيصاله إليه في عصر الغيبة فلابد من صرفه فيما يعلم رضاه أو يتصدق به عنه ليكون ثوابه ونفعه الأخروي ، وهو نحو صرف في شؤون مع أن الصحيح أن سهم الإمام بل الخمس بتمامه لأنه هو أيضاً لا يتعقد بالتقسيم بين سهم الإمام وسهم السادة ” إذن هو لا يعتقد بالتقسيم الخمس .

يقول الشيخ حب الله (6) ” وكون الإنسان هاشميّاً أو علويّاً أو فاطميّاً لا يبرّر له التكبّر ولا التجبّر على الناس، فإنّ من يتشرّف هو بالانتساب إليهم ـ عنيت النبي وأهل بيته ـ كانوا من أكثر الناس تواضعاً، وأحسنهم أخلاقاً، وأبعدهم عن أذى الآخرين، وأرأفهم بالضعفاء، وأكثرهم عملاً صالحاً، فكيف يمكن للمنتسب إليهم أن تكون أخلاقه على عكس ذلك ثمّ يدّعي التشرّف أو يبرّر فعله بهذا الانتساب التكويني”

نكمل بحثنا في الحلقة (14) إن شاء الله تعالى….. إلى اللقاء.

المصادر
(1)شبكة المعارف الإسلامية الإلكترونية . أضغط على الرابط :- مصطلحات فقهية
(2) موسوعة ويكابيديا
(3) محاضرة ليلة 28 – 9 – 1443 هجري ، الخمس موارده من أين إلى أين ، مسجد الرسول الأعظم (ص) ، مطرح – سلطنة عمان عام 2022م ، أضغط على الرابط : الخمس موارده ومصارفه من أين إلى أين
(4) موقع المجيب الإلكتروني ، مؤسسة المصطفى للإرشاد
(5) كتاب الخمس ، الخمس ، جزء 2 ، ص 439

(14)

لا يوجد نبي من أنبياء الله دخل التاريخ إلا من خلال نصوص دينية محكومة بالسلطة الإلهية ، فكلما جاء خطاب نسخ الخطاب السابق الذي كان متداولا بين الناس ويمارسون من خلاله السلطة الدينية والسياسية وتنظيم شئون العباد ، وإذا بهذا الخطاب لا أثر له ، أنت إسال أي مسلم لماذا لا تأخذ التعاليم الموجودة في الإنجيل ؟ الجواب القرأن نسخ ما جاء في الإنجيل .

بهذا الجواب يعد لحظة دخول القرأن إلى التاريخ تحقيقا لخطاب سيادي جديد .السيادة الإلهية التي تكون بمثابة المرجع لكل بشر ، فقامت العلاقة بين الله والبشر في الإسلام على طاعة الله من خلال تعاليم النبي الخاتم (ص) يتم الوصول إلى السيادة بين الله والبشر، وهذه السيادة هي تلك العاطفة والاتفاق العميق الذي يربط بين أعضاء جماعة بشرية أو هي دفاع عن الهوية . بهذه الهوية مثل الأنبياء سيادتهم في إثارة الحياة ، ومثل الأئمة الطاهرين سيادتهم في إثارة الحياة ، ومثل الصالحون سيادتهم في إثارة الحياة ، ومثل المفكرون سيادتهم في إثارة الحياة ، ومثل العرفاء سيادتهم في إثارة الحياة ، إذن طاعة الله فيها من القوة لإثارة الحياة، هذه القوة مستمدة من قيم ومبادئ وروابط التي تجمع بين الخالق والمخلوق صوب هدف معين .

ولكن الواقع التاريخي هو أنه تم توظيف السلطة البشرية للسيادة الإلهية في تحقيق مصالحها السلطوية ، أنا اعرف إن هذه الكلمة ستثير حفيظة البعض ، ولكن هذا هو الواقع التاريخي ، لأن السلطة تحافظ على مكتسباتها ، وتدير الأوضاع ضمن النظام القائم لديها عن طريق الإكراه والتقييد ، وهي عندما تلجأ إلى الإقناع فإنها تخفي الآليات والرهانات الحقيقية من أجل إنتاج أيدلوجية تبريرية ، وهذه الأيدلوجية من اجل الحفاظ على دوامها واستمرارها التاريخي.

لنوضح المعنى ونعود إلى بحثنا حول الخمس والمصطلحات الفقهية كما أشرنا إليها في السابق ، ركزوا معي رجاء ، سؤال هل دفع الخمس واجب أم لا ؟ اختلف فقهاء الشيعة على وجوبه في عصر غيبة الإمام المهدي (ع) لنأخذ ممن أ وجب دفع الخمس وقال يجب دفعها للفقيه الجامع للشرائط ، ممتاز، سؤال هل يوجد دليل من القرأن على وجوب دفع الخمس للفقيه ؟ الجواب أن فتوى الفقهاء الآن بوجوب إعطاءه للفقيه على الإحتياط (1) ، جيد جدا ، متى يستخدم الفقيه كلمة الاحتياط في الفتوى ؟ الجواب (2)
الحالة الأولى : قد لا ينتهي الفقيه من عملية البحث عن الحكم الشرعي في مسألةٍ ما؛ لضيق وقته، أو لعدم توفّر المصادر الكافية، أو لأسباب أخرى، فلا يصل إلى الحكم فيها، ويلجأ بَدَل تقديم حكمٍ غير مستدلّ عليه إلى الاحتياط، .
الحالة الثانية : أن يخرج الفقيه من عملية الاستدلال بحكمٍ واضح في المسألة مورد بحثه، لكنّه ـ لأسباب متعدّدة تقدَّم ذكرها ـ يعرض عن التصريح برأيه، والإفتاء بالنتيجة التي توصّل إليها، ويختار أن يحتاط في مقام الفتوى
الحالة الثالثة : أن يذهب الفقيه إلى ميدان الاستدلال، ويجول بفكره في الأدلّة، فيجدها غير تامّة أو غير ناهضة، أو يجد بعضها مخالفاً أو معارضاً لبعضٍ آخر .

إذن الفقيه يطلب من المكلف أو من مقلديه الإنضمام إلى غيره من الفقهاء في بيان من يجب عليه تحصيل الخمس ، فدخلنا في دائرة البحث من هو الأعلم من الفقهاء ، تعالوا لنتعرف على أوجه هذه الاختلافات الفقهية ، يقول الشيخ حيدر حب الله (3) ، ” الإفتاء بوجوب مراجعة المرجع الأعلم أو وكيله في سهم الإمام في الخمس، ولا يكفي مطلق المجتهد ، وإنّما كان الأمر مبنيّاً على الاحتياط اللزومي” ويذكر أسماء الفقهاء وارائهم المختلفة فيما بينهم .

بالنتيجة إن دفع الخمس لا يرقى إلى درجة الوجوب، فإذا كان كذلك، فهل نحن بحاجة للاحتياط أم لا ؟ لسنا بحاجة إليه ، لأن استحضاره يعتبر كحصن منيع من أجل تحقيق أغراض تنظيرية للفقهاء لتبرير وجودهم ، قد يقول قائل نحن بحاجة إلى الفقه ؟ صحيح نحن بحاجة إلى الفقه ولكن ليس الفقه الذي يحافظ على الأوهام من أجل سيادة عليا للفقيه ، نحن نعرف أن الفقه لا يمثل سوى 3 بالمئه من المعارف الدينية

هذا الاختلاف ماذا يوحى لنا ؟ الجواب، إن كل جماعة استلمت السلطة ترى نفسها أنها بحاجة إلى صياغة شرعيتها عن طريق التقرب من النص التأسيسي وهي آية الخمس في القرأن الكريم ، إذن هي تستند إلى الدين الذي يمثل الحقيقة المطلقة التي يجب على الجميع الخضوع إليها .

من هنا يجب التفريق بين السيادة الإلهية وبين سيادة سلطة الفقهاء لأن حضورهم أصبح مقدسا ، فالسلطة ينبغي لها أن تتجدد من خلال الاهتمامات الواقعية والمادية للمجتمعات الإسلامية ، لأن سلطة السيادة العليا المتمثلة في حق الله على الأرض لم تتجسد بشكل كلي في التاريخ ، وإنما بشكل نسبي وهذه السيادة في ذروة السيادة الشرعية لم تتجسد في الواقع وإنما كان وجودها ذهنيا في عقول المؤمنين .

نكمل بحثنا في الحلقة (15) إن شاء الله تعالى ….إلى اللقاء .

المصادر
(1) مركز الأبحاث العقائدية ، الموقع الإلكتروني أضغط على الرابط :- مركز الأبحاث العقائدية
(2) نصوص معاصرة ، مركز البحوث المعاصرة في بيروت ، الاحتياط في الفتوى ، السيد أمير العلي ، 10.12.2019 أضغط على الرابط :- الاحتياط في الفتوى
(3) الموقع الرسمي حيدر حب الله ، هل يجب تسليم الخمس للمرجع أو وكيله أم يكفي التسليم لمطلق المجتهد؟ ، 17.6.2014 أضغط على الرابط :- الموقع الرسمي للشيخ حيدر حب الله

(15)

إذا كانت سلطة السيادة العليا المتمثلة في حق الله على الأرض لم تتجسد بشكل كلي في التاريخ ، وإنما بشكل نسبي وهذه السيادة في ذروة السيادة الشرعية لم تتجسد في الواقع وإنما كان وجودها ذهنيا في عقول المؤمنين ، وأن حضور سلطة الفقهاء أصبح مقدسا ، فماذا علينا أن نعيد التفكير فيه ؟ للإجابة على هذا السؤال ، لابد لنا من مقدمة

إن الوقائع التاريخية التي أشارت إلى البديهيات الحقيقية الذهنية ، لا يمكن العثور عليها في موقع حياتي واحد، بل يجب النظر إليه ضمن مسار تاريخي وعيني ، ونحن لن ننال قابلية التطبيق لها إلا من خلال الحضور العملي للتحليل وضرورة مناقشتها وانتزاع المفاهيم الإعتبارية بمعونة أجهزة العلم . والعلم لا يتكون إلا من خلال التحليل ومناقشة الوقائع ، لهذا لا يمكن تسمية أية عملية التحليل إلا إذا كانت له درجات معينة من التدرج والإستمرار والشمول. . وعلى الرغم من كثرة التحولات والتغييرات فإن العلاقات وتأثيرها على الظواهر الاجتماعية والتغيرات الناجمة عنها هي وقائع مستقله عن فاعلها العاقل الواعي . إذن وجود الوقائع والعمليات ضمن صياغة معينة تكون فاعلة حينما يتم تعرفتها والاعتراف بها ، وإلا فهي غير موجودة . وهذا ما نسمية تفاعل أصالة الإنسان مع التطور الحضاري والتحول التغييرات السياسية والاجتماعية والعلمية ، وقد يدخل أحيانا مصطلح االاحتكار واستقطاب القطب الواحد ضمن الحركة الحضارية للإنسان ويعبر عنها بدرجة واحدة إلا انها لا تتمتع بوزن وأهمية متساوية

بهذه المقدمة أتضح لنا أننا إذا كنا نرغب في أن يكون للمعارف الدينية تأثير في حياة الإنسان ، فلا بد أن تخضع كل جزئية منه في قالب التحليل الواقعي لنخرج ضمن صياغة معينة تكون فاعلة وإلا فلا قيمة لهذه المعرفة . مثلا تريد إقناع العالم أن الإمامة أصل من أصول الدين أو تريد إقناعه أن الخمس المورد المالي في القرآن الكريم اختص جزء منه لفئة بشرية معينة وهم السادة الهاشميين ، أو أن نظرية شورى الفقهاء هي الأنسب لإقامة حكومة إسلامية .

كل هذه العمليات هي مجموعات مستقلة بذاتها ، فيجب أن تناقش في ذاتها ، وتأثيرها على الواقع العملي ضمن المسار للعمليات الحضارية الثلاثة وهي :- التحديث ، العلمنة ، العولمة . التحديث هو الشعور العام بحضور الدين في العالم الحديث وهو ما نسمية بحداثة الدين سناتي في الحديث عنها في موضوع مستقل عن الحداثة وتأثيرها على الدين والخطاب الديني . وأما العملية الثانية وهي العلمانية فإنها ليست محل بحثنا في الوقت الراهن لأنه علمنة الدين يجب أن ننظر إليها من أربع مستويات :- أولا : المستوى العام وهو إلى أي مدى تمتع الفرد في المجتمع بمواهب الحياة ضمن إطار الخطاب الديني أيا كان هذا الخطاب ، سواء الخطاب السلفي النصي أو الخطاب التيار الصوفي ، او الخطاب الرفض واحتجاج العنف أو الخطاب الوسطية الإسلامية . والمستوى الثاني هو المستوى الوسطي بمعنى ما هي المميزات التي استفاد منها الفرد في المجتمع . والمستوى الثالث هو المستوى التفصيلي بمعنى ما هي المعارف الدينية التي استفاد منها الفرد في المجتمع بشكل تفصيلي

مثلا إذا قلنا أن الممارسات للتيار الصوفي تدخل ضمن الممارسة الوسطية يقبله الدين الإسلامي ، فهل استفاد الفرد الصوفي من هذه التفاصيل في بناء المجتمع أم لا ؟ أو أن الخطاب الرفض الذي يحتج على ممارسات الغير الإسلامية ،هل استطاع الفرد أن يعيش بمعزل عنها أم لا ما زالت تعيش معه ؟ وقس على ذلك ما سواها من الممارسات التفصيلية للمعارف الدينية .

أما المستوى الرابع هو مستوى الدين نفسه ، وهو مستوى لمعرفة مدى النضج الذي وصل إليه الفرد في المجتمع واتسع مداركه العقلية في الوصول إلى التمييز بين النقضين مثلا . هذه المستويات تبحثها العلمانية في الدين والخطاب الديني ، عموما سيكون تركيزنا على تأثير العولمة على الدين ودور الدين والخطاب الديني في قبول أو رفض التحديات المعاصرة . حيث أن العولمة تأخذ مسارين في التأثير على المجتمعات والأديان .

المسارالأول :- أسلوب الحياة واستلهام المرجعية الدينية والفكرية . المسار الثاني طريقة تقريب المجتمعات والثقافات وربط بعضها بالبعض الآخر والطرق التي تؤدي إلى تكثيف روح التنافس على اعتناق دين معين.

أما المسار الأول: هو أسلوب نمطي التي تسعي إليها المرجعيات الفكرية والدينية في إدارة الحياة ، فلو قمنا بإحالة الأفكار التي تطرحها المرجعية الدينية لنقل عند الشيعة الإثنا عشرية تحديدا في إدارة الحياة هل يمكن لها انتهاج سياسة التغيير ضمن مظاهر العولمة أم لا ؟ ركزوا معي على الجواب رجاءً

أولا ما هو تعريف العولمة عند المرجعية الدينية ؟ وكيف تنظر لها ؟ يقول الشيخ حيدر حب الله ” العولمة الفعلية عبارةٌ عن واقعٍ؛ أي صيغةٍ نظريةٍ لا نقرأها في الكتب وفي التصور الذي قدمه مؤسّسوها ومنظّروها على كافة الصعد فحسب، وإنما نطالعها في الميدان الخارجي فيما استدعته من نتائج وآثار حقيقية على العالم كله ” . (1)
والشيخ محمد علي التسخيري (رحمه الله) الأمين للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية قال بأنّ ” العولمة هي نوع من التركيز على الفطرة الإنسانية التي تمثل عنصراً مشتركاً بين جميع أبناء البشرية وهي في الواقع حركة إيجابية وطبيعية نحو الوحدة بين الأديان” . (2)

نكمل بحثنا في الحقلة (16) إن شاء الله تعالى …. إلى اللقاء.
المصادر
(1) الموقع الرسمي لحيدر حب الله ، العولمة وعالمية الدين ، 12-5-2014 م – أضغط على الرابط > العولمة وعالمية الدين
(2) حوار مع آية الله الشيخ محمد علي التسخيري ، عولمة الدين ضرورة فطرية ، الموقع الإلكتروني الرسمي الموسوعة الإسلامية، 24 -11-2013م . أضغط على الرابط > عولمة الدين ضرورة فطرية

(16)

العولمة كلمة أعتبرها البعض أنها تعني أمريكا وإنه يراد منها أمركة الأنظمة ، لأن التي تحدثت عنها هي أمريكا ، فأمريكا لها ثقافتها وتريد أن تنقلها إلى العالم، وتفرضه على الشعوب بقوة القانون ، هذا هو مفهوم العولمة في أذهان الناس . فلو سألت أي فرد في المجتمع ما هي ثقافتك ؟ سيقول لك إذا كان مسلما ثقافتي إسلامية، وإذا كان غير مسلم سيقول ثقافتي ليبراليه أو علمانية أو دينية .
وإذا سالت هذا أو ذاك هل يعرف الآخرون ثقافتك أم لا ؟ أبسط جواب ، أحاول تعريف الناس بثقافتي الإسلامية . إذن هناك جانبان في هذا الإنسان ، جانب استهلاكي أي جانب ما يحمل من ثقافة يمارسها ويطبقها على ذاته ، وجانب يستخدم وسائل لنشر الثقافة إلى الغير ، وهذا النشر يكون عبر وسائل تقنية حديثة أو وسائل الإتصالات الحديثة كالإنترنت أو شبكة التواصل الاجتماعي المتعددة .

هنا يرد علينا هذا السؤال ، هل هذا النشر بالضرورة أن يكون أمريكيا بمعنى إذا كان الفرد المسلم الشيعي يريد نشر مذهبه إلى الناس هل بالضرورة أمريكا تريد منه ذلك ؟ الجواب كلا . لماذا ؟ لأنه توظيف العولمة كمفهوم بدون النظر إلى أصالة الإنسان يؤدي بنا إلى خلط مع مفهوم العالمية ، وهذا الخلط يؤدي إلى فقدان الهوية الذاتية بالشعور أو بدون الشعور .

سأقرب لكم المعنى ،تصور أنك خالطت أغاخانيين الشيعة الذين هاجروا من الهند أو من أي بلد آخر ،الأغاخاني مذهبه إسماعيلي ويسمون بالخوجة والشيعي الذي يتعامل معه مذهبه إثنا عشري ، والبيئة التي ينتميان إليها مذهبها الشافعي . سؤال : تحت أي مفهوم سينشر هذا أو ذاك مذهبه في بيئة ليست بيئته ؟
إذا قلت عليهما الإندماج مع مجتمع آخر لأنه غيرهم ينظر إليهم أنهم غرباء ، ماذا سيكون تأثير هذا الكلام عليهما ؟ الجواب : فقدان الهوية الأصيلة مباشرة دون سابق إنذار، لأن الطرف المقابل يتحرك من خلال مشاريعه ، أما أنت لا تملك هذه المشاريع ، فأنت بنسبة له موظف غير مدفوع الأجر ، أما إذا قلت لا هو يتحرك في البيئة بمشاريعه وأنا سأتحرك بمشاريعي فأنت انتقلت من الموظف بدون الأجر إلى منافس شريك في المجتمع .

وهذا هو مفهوم العولمة الثقافية أن تكون عندك مشاريع تخصك أنت لا أن تندمج مع مشاريع صرف غيرك أمواله عليها ، قد يقول قائل هناك مجتمعات تأخذ من الأفراد مبالغ شهرية أو سنوية لتطوير الخدمات تعود بالنفع على أفرادها . العولمة الثقافية ستقول لك إذا كنت تدفع هذه الأموال لصندوق تستفيد منها أنت في أي ظرف كان فلا بأس ، وإلا فأنت موظف غير مدفوع الأجر فلماذا تعطيهم أموالك ؟ .

إذن العولمة تقول لك طبق نظرية المنافسة الشريفة ، استقل وأستثمر أموالك على مشاريع تعود بالنفع عليك ، حينها أنت منافس للغير ، و ستجعل الآخرين يطلبون منك خدماتك مثلا ، هو عنده مستشفي أنت أيضا عندك مستشفى هو عنده معهد تدريب أنت أيضا عندك معهد تدريب هو عنده معهد لتحفيظ القرأن أنت أيضا عندك معهد للتحفيظ القرا ن، هو عنده مختبرات صحية أنت أيضا عندك مختبرات صحية ، هو وضع جائزة للمتوفقين ا نت أيضا وضعت جوائز للمتفوقين ، بعبارة أخرى خطاب الإندماج مع مجتمع آخر بعيد عن التنافس الشريف ، خطاب لا ينسجم مع مفهوم العولمة ، العولمة تقول لك بالعامية إن هذا الخطاب” بله واشرب ميته”.

إذن هذه إشارة واضحة أن العولمة توجهك نحو الممارسة المستقلة ضمن فهم حقيقي بعيد عن تهميش دور الشعوب في بناء المجتمعات ، سواء كان هذا الاستقلال اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي . لذلك العولمة تركز على الآليات المختلفة التي تستطيع الوقوف أمام أنظمة اجتماعية التي تريد تهميش دور الإنسان وتفرض عليه أنماط الحياة الاجتماعية .

فالعولمة من هذه الناحية تعني الانفتاح على المجتمع المدني ودفعه إلى النشاط والمشاركة الفعالة على جميع الأصعدة ، ولكنها اصطدمت مع الخطاب الديني الذي هزه هذا الانفتاح و دفعه للعمل المعاكس أكثر من التفكير العقلاني ، لماذا ؟ لأن تطبيق نظرية الاستقلال تلغي السلطة الوراثية أو ترسيخ ممالك التي استحوذت على السلطة بالحيل الشرعية ، فهل سيبقى لرجل الدين حاضر للتبرير والمباركة ؟ الجواب مؤكد لن يبقى ، لهذا نجد أن الخطاب الديني الذي يأخذ مسميات مختلفة لمواجهة العولمة وخطر العولمة يأخذه من أي جانب ؟ من جانب الدعوة إلى الإعتناق الدين الإسلامي فالمسألة ليست مسالة انفتاح الخطاب الديني على العولمة بل هو مواجهة الغزو الثقافي الغربي في نظره ، لأنه يرى أن الغرب غزا العالم وكان غزوهم أساسا لأسباب اقتصادية .

ولكن الدافع الرسالي كان ملحوظا والتفوق التقني زاد من احتمالية سيطرة الغرب على المجتمعات ، ويسترشدون بمقالة كتبها “جيفري أر بانت” أن الغرب يملك نظام مالي عالمي ، وأنه هو من يوفر البضائع الجاهزة لدول العالم ، وأنه يملك ترسانة عسكرية يستطيع التدخل العسكري وفي وقت قصير ، وأنه يمتلك أحدث المعاهد للأبحاث في العلوم والمعارف ، قائمة مطولة وضعها كاتب المقالة (1)

قل لي بهذه القائمة هل العولمة انحصرت في الاقتصاد أو أنها تعبر كونها ثقافة تساعد الناس على تطوير ثقافتهم والاستفادة من خبرات بعضهم البعض ؟ مؤكد تساعد الناس على الاستفادة من خبرات بعضهم البعض ، ولكن انتبه الغرب لن يسمح لك أن تتفوق عليه ، لأنك حتى تصل إلى مرحلة التنافس ، عليك أن تفهم أن العولمة لا تريد إيجاد نظام حكم أحادي الجانب بمعنى لا وجود لحاكم عليك ، أنت من يحكم نفسه ، لا يتبادر إلى أذهانكم أن نظرية العولمة تبحث في كيفية حكم العالم ، لا أبدا ، العولمة نوعا من النهضة تفتح المجال الواسع للتقدم الحقيقي على مستوى العالم مثلا لنأخذ مثال عن الدول في العالم لنقل إيران الإسلام كلنا يقرأ تقارير أخبارية عن تفوقها في مجلات معرفية عديدة منها المجال العسكري .

استفادت إيران من العولمة في المجال العسكري أم لا ؟ نعم استفادت ، أمريكا تصنع صاروخ مضاد للبوارج الحربية ، إيران أيضا تصنع صاروخ مضاد للبوارج الحربية ، أمريكا صعدت إلى الفضاء ، إيران أيضا صعدت إلى الفضاء.

نكمل بحثنا في الحلقة (17) إن شاء الله تعالى …. إلى اللقاء .

المصادر
(1) نقلا عن هنتنغتون ، صراع الحضارات ، ص 81

(17)

ما هو الفرق بين العولمة وعالمية الإسلام ؟ هذا سؤال وجه لي من إحدى المؤمنات بعد طرح الحلقة السابقة ، هذه المؤمنة تقصد في سؤالها ، إذا كانت العولمة تلغي الحواجز القُطرية والإنسان هو حاكم نفسه وله استقلالية في كل شيئ فما قيمة مصطلح عالمية الإسلام؟ للإجابة عليه لابد من توضيح نقطة مهمة وهي:- من وراء طرح نظرية العولمة ؟ ومن وراء تثبيت مصطلح عالمية الإسلام ؟ أسئلة مهمة ولإجابة عليها مهم جدا . ركزوا معي رجاءً . طالما عنوان بحثنا الخطاب الديني في عصر العولمة والحداثة ، فلن نخرج عن دائرة هذا العنوان إلا قليلا . سؤال هل يمكننا تقسيم الخطاب الديني إلى مستويات مختلفة في مجتمعاتنا أم لا ؟ الجواب نعم يمكن ، ما هي هذه المستويات ؟

أولا الخطاب الداخلي :- وهو خطاب معروف لجماعة معينة ، ومتعارف عليه ، ولها منهج اجتماعي وعقدي موحد ، وفيها يتوجه الخطاب إلى فئات متفاوتة ، مثلا الخطاب لجماعة أخباريين هل هو نفسه لجماعة الأصوليين أم لا ؟ الجواب كلا ، جيد . الخطاب الصوفي هل هو نفسه الخطاب الوسطي الإسلامي أم لا ؟ الجواب كلا ، ممتاز . الخطاب الرفض والاحتجاج هل هو نفسه الخطاب السلفي النصي أم لا ؟ الجواب كلا ، جيد جدا .

سؤال من يقف وراء كل واحد منهم ، الخطاب الصوفي الذي يوجه إلى أتباعه من يقف ورائه ؟ الخطاب السلفي النصي الموجه لأتباعه من يقف ورائه ؟ الخطاب الوسطي الإسلامي الموجه لأتباعه من يقف ورائه ؟ لأننا نعرف أن هؤلاء مسلمون بينهم مشتركات كثيرة . الأن سنخرج قليلا عن دائرة البحث لنسأل هذا السؤال : هل نظرة المسلم الصوفي عن إله هي نفس نظرة الصوفي الهندوسي أو الصوفي الكونفوشوسي أو الصوفي المسيحي أو الصوفي اليهودي أو الصوفي البوذي ؟

الجواب ما ذهب إليه ولتر ستيس ” أن التجربة الصوفية واحدة عند جميع المتصوفة إذ تتفق التجارب الصوفية التي رواها المسيحيون والمسلمون واليهود والهندوس والبوذيون وأيضاً المتصوفة، الذين لم يتبعوا أي عقيدة دينية محددة، لكنها تختلف في تأويل كل متصوف لتجاربه تأويلاً عقلياً مستمداً من خصائص ثقافية ” (1) . ما معنى هذا الكلام ؟

المعنى أن جميع المتصوفة متفقون على وجود إله واحد، ولكن حسب ثقافة كل منهم يعبرعنه بطريقته الثقافية الخاصة ، حتى الغير المتدين بالمعنى الاصطلاحي الذي لا يدين بدين معين وهؤلاء لهم حضور اجتماعي في العالم سواء في الغرب أو الشرق خذ مثلا : الهند هناك متحدثون صوفيون كثر لا يدينون بدين معين، ولكن لهم تجارب معنوية صوفية عرفانية شخصية ، عندما يصل إلى جواب على سؤال إلى أين وصلت ؟ سيقول وصلت إلى جهة هذه صفاته .

طالما هناك مشتركات بين مسلم وغير المسلم في الخطاب الداخلي الاختلاف فقط في التأويل ، كيف يتم التعامل مع الغير المسلم ؟ بمعنى كيف نعيش مع شخص لا يعتقد بدين معين ولا حتى بالنبوة ؟ هل يوجد فقه التعايش مع الغير المتدين ؟ هل يوجد نظام التعايش مع الغير المؤمن بعقيدتك ؟ نحن لا نستطيع الإنفصال عنهم ، إذن ماذا نفعل ؟ الأن نحن نعيش ركنان أساسيان في عصرنا الراهن ، ركن العولمة ، وركن الإتصالات .

العولمة تقوم على أركان ثلاثة الأول :- إلغاء الدولة القطرية ، أنتم أنظروا إلى شبكة المواقع الإلكترونية عندما يخاطبون دولة ما بأي لغة يخاطبونها ؟ بلغة حق إنساني ، فيضعون أنظمة كيف تتعامل هذه الدولة أو تلك مع مواطنيها ، فتدريجيا تلغي دور المؤسسات الرسمية ، وتفقد هذه المؤسسات مصداقيتها وقدرتها على التأثير . من منكم لم يسمع بمنظمة توست ماستر العالمية ، مؤكد أغلبكم سمع بها ، ما هي هذه المنظمة ؟ ولماذا سميت بهذا الإسم؟ الجواب ، ركزوا معي رجاءً

منظمة توست ماسترز هي مؤسسة غير ربحية تعليمية تنظم أندية حول العالم لمساعدة الناس في التواصل والتحدث أمام العامة وتعليمهم مهارات القادة ، تأسست في عام 1924م . (2) هذا البرنامج يكون على صورة مشاريع ينجزها العضو في وقته الخاص، وبمساعدة زملائه أعضاء وإداري النادي .

أول نادي للتوستماسترز، أنشىء قبل تكوين المظمة وكان يسمى (نادي سميدلي الأول)، وذلك في سنة 1924م. الإسم سميدلي هو إسم عائلة منشىء ذلك النادي (رالف سي. سميدلي). وبذلك النادي أصبح نواة لتأسيس منظمة التوستماسترز العالمية. انشئت المنظمة في كاليفورنيا سنة 1932م، ومن تلك السنة خدمت أكثر من أربعة ملايين متدرب. في الوقت الحاضر ينتمي للمنظمة أكثر من 260 ألف عضو، في 116 دولة حول العالم، وتدير حوالي 13 ألف نادي

النظام العام لأندية التوستماسترز ينص على أن العضوية يجب أن تكون لمن هم فوق 18 سنة. ولكن تقوم أندية التوستماسترز من وقت لآخر، بإقامة نشاط في المدارس والتجمعات الطلابية لمن هم دون 18 سنة، لتمكينهم من تذوق تجربة التوستماسترز. أعضاء هذه الأندية لا يدخلون في تصنيفات التوستماسترز (كالمتواصل المتمكن والقائد المتمكن) ، ولكن تكون لهم برامج إضافية خاصة بهذه الفئة العمرية، كبرنامج القائد الشاب، والذي يتكون من 18 جلسة تدريبية ( ملاحظة سأشرح هذهين المصطلحين لاحقا ضمن مفهوم العولمة).

وهذا النادي متاح للجميع ، بإمكانهم إنشاء والمشاركة في أندية التوستماسترز. إلا أن بعض الأندية تضع إشتراطات خاصة بها، لتحديد عدد المشتركين. فتجد بأن هناك أندية في بعض الشركات، تكون العضوية فيها خاصة بالمنتمين لتلك الشركة. وأيضاً، هناك أندية العضوية فيها خاصة للإناث (النساء) فقط ، وبعضها للذكور(الرجال) فقط .

نرجع إلى سؤالنا الأول من وراء هذه المنظمة ؟ وإلى أين سنصل ضمن مفهوم العولمة ؟

نكمل بحثنا في الحلقة (18) إن شاء الله تعالى ….. إلى اللقاء

(1) التصوف والفلسفة ، ولتر ستيس ، ترجمة وتقديم أستاذ دكتور امام عبدالفتاح امام ، أستاذ ورئيس قسم الفلسفة ، جامعة الكويت ، مكتبة مدبولي ، ص 9
(2) موسوعة ويكابيديا ، توست ماسترز العالمية .

(18)

كان الكلام فيما مضى أننا في عصر العولمة لا نستطيع الانفصال عن الآخرين الذين يعيشون معنا بمختلف أديانهم وأفكارهم ، لأننا نعيش ضمن ركنين أساسيين :- ركن العولمة ، وركن الإتصالات . العولمة تقوم على ثلاثة أركان ، وقفنا عند الركن الأول وهو إلغاء الجانب القُطري ، أي لا يوجد أي اعتبار لمسألة الوطن ، لماذا ؟ الجواب ركزوا معي رجاءً

أنتم أنظروا إلى المجتمعات قبل العولمة من كان يلعب دور التأثير على الأفراد في مجتمعك ؟ الجواب :- النخب المثقفة ، أليس كذلك ، جيد جدا ، وعندما ظهرت منصات التواصل الاجتماعي من يتحكم في الأفراد ، النخب المثقفة أم الجهة الخفية التي أنت لا تعرف هويتها ، أي منهم ؟ الجواب الجهة الخفية ، لأن النخب بأنفسهم يريدون أن يكون لهم قدم في التأثير عليك وعلى غيرك أيضا بإستخدام هذه المنصات للتواصل الاجتماعي . فالنخب وأبنائهم أين هم الآن ؟ الجواب : يعملون ضمن منظومة عالمية التي لا حدود جغرافية لها فأصبح أبنائنا عندما يدخلون البيت أين يتجهون ؟ الجواب : إلى منصات التواصل الاجتماعي فوطنهم أين ؟ الجواب وطنهم الإنستغرام ، الفيسبوك ، الواتساب ، لينكد .. إلخ قائمة المنصات للتواصل الاجتماعي المتعددة ، من هنا نعرف أن الجهة الخفية هي التي تلعب دورا محوريا في توجيه المجتمع نحو بناء دولة عالمية واحدة . سؤال من هي هذه الجهة ؟ الجواب ركزوا معي رجاءً لأن الموضوع مهم جدا .

ذهب دكتور محمد عابد الجابري أن العولمة بدأت في الجانب الاقتصادي والأمر الذي يتعلق أيدلوجيا يقوم على ” شل الدولة الوطنية لتمكين شبكات الرأسمالية الجديدة ، والشركات العملاقة متعددة الجنسيات من الهيمنة عليه والسيطرة على دواليبه” (1) .من هنا نفهم أن العولمة أنتجت نخب من الرأسماليين وهم الطبقة العظمى ، أعضاء في إدارة منظومة عالمية ، ومن هذه النخب يتم اختيار رؤوساء الدول ، وأعضاء في البرلمان ، فقط ، لا بل وأعضاء في المنظمات الاجتماعية في العالم أيضا.

سؤال ما هي هذه المنظمات ؟ وما هو دورها الاجتماعي ؟ في الحلقة الماضية تطرقنا إلى نبذة قصيرة عن منظمة توست ماستر العالمية ، من وراء تأسيس هذه المنظمة ؟ وإلى أين تريد منا أن نصل ضمن مفهوم العولمة ؟

توست ماستر ليست جامعة أ و مدرسة أو معهد أو حلقة دراسية، وإنما هو برنامج يتعلم الفرد من خلال كتيب تدريب على مهارات القيادة والتواصل ضمن محيط النادي ، ومنهجية هذا البرنامج قائم على عهد ينطق به الفرد يتعهد بالمواظبة على حضور اجتماعات النادي (2) مساعدة النادي في الحفاظ على الخلق وتطوير الأعضاء وتعلمهم ، ودعوة حضور أعضاء النوادي الأخرى بمعنى قد يكون أعضاء النادي الآخر متحولين جنسيا أو أصحاب الديانات الأخرى أنت لا علاقة لك بهم لأنها قناعات شخصية المهم أن تستضيفهم ليطلعوا على إنجازات النادي الذي أسسته ، فتم إسقاط مسألة اعتبار الدين .

لهذا تجد إن الذي يلقي خطبة من أعضاء نادي توست ماستر لا ينطق بالبسملة في بداية الخطبة والسبب هو مراعاة أعضاء النادي من الملحدين (3) وهذا ما يسمى بكسر الجمود عندهم . وتأسيس النادي يجب ان يكون تحت إشراف المنظمة وضمن قوانينها ، علاوة على ذلك هناك رسوم يتم دفعها لأمين الخزينة فالمنظمة ليست ربحية كما يروج لها .

أما التواصل المتمكن فتعريفه ان يركز العضو على مهارات التواصل حسبما هو مدون في الكتيب الذي يعطى له ، وحال نجاحه يحصل على لقب المتواصل المتمكن . وهذا النادي لا يوجد له تواجد رسمي في الدولة ولن تجد لوحة للنادي فأين يكون اجتماعاتهم ؟ الجواب :إما في قاعات المعارض ، أو قاعات الاجتماعات في الفنادق أو دور العبادة أو نادي روتاري وفروعه في العالم ، ما هي قصة نادي الروتاري ؟

روتاري منظمة أجتماعية يهودية ، وروتاري كلمة تعني المناوبة أي الاجتماعات تقوم بالتناوب بين أعضاء النادي، قد تعقد في المنازل أو مكتب الأعضاء ، تماما مثل منظمة توست ماسترالعالمية ، وقد برزت فكرة إنشاء نادي روتاري مع إنشاء نادي توست ماستر فتم التحالف بينهما في تقديم خدمات اجتماعية حول العالم (4) مؤسس هذا النادي هو المحامي الإمريكي اليهودي ، بول هاريس في عام 1905 للميلاد ، جاء في وثيقة التحالف بين توست ماستر ونادي روتا ري (5) “يمكنك أن ترى منظماتنا منظمة بشكل مشابه جدا من قادة الأندية ” .

يقول تشالزماردين ” إن وضوح الصراع السياسي وحدته ، وظهور أي خطر على أصحاب الحركة ومصالحهم واتجاهاتهم سوف يدفع المنظمة إلى تغيير مواقفها في الابتعاد عن الميدان السياسي، وأن الشخص الذي لمس الجو الفكري والسياسي لعدد من هذه النوادي – الروتارية لن يشك في الاتجاه الذي تمثله الروتارية ” (6).

إذن هذا النظام العالمي يدار من قبل النخبة الخفية لا تستثني أحدا ، حتى الدول التي أنتجت هذا النظام ليست مستثناة منه ، لهذا لا يفرق عندهم أن يطبق هذا النظام في أوروبا أو في شرق أسيا أو في الدول العربية و الإسلامية ، ولكن لأجل إعطاء نموذج يحتذى به ، فإن كل قرارت هذه المنظمات تخرج من أمريكا كنموذج لبلد تم تطبيق معظم قراراتهم فيها.

الآن أنتم وجدتم حجم المشاريع التي تطرحها العولمة في الاقتصاد ، في الاجتماع ، في الثقافة ، في الفكر ، حتى في فهم الدين وكيفية التعامل مع الآخر. هذا النظام هل يحترم ثقافات وعادات وتقاليد وحضارات ومدنيات الشعوب أم لا ؟

الجواب حسب ما تقدم هو نظام إقصائي لأن في نظره هناك أمم كثيرة ذات ثقافات متعددة لايمكن وضعها في قالب مدنية موحدة إلا من خلال هدم كل هذه الثقافات وجعلها في ثقافة واحدة ، بعد أن عرفنا عالمية العولمة كيف تأسست ، نرجع إلى سؤال الأخت المؤمنة التي بدأنا به الحلقة السابقة حول مشروع عالمية الإسلام .

نكمل بحثنا في الحلقة (19) إن شاء الله تعالى … إلى اللقاء.

المصادر
محمد عابد الجابري ، قضايا في الفكر المعاصر ، مركز دراسات الوحدة العربية ، ص 147
(2) عهد أعضاء توست ماسترز ص 4 أضغط على الرابط عهد أعضاء توست ماسترز
(3) خطبة أحد أعضاء نادي توست ماستر أضغط على الرابط نموذج خطبة من خطب توست ماستر
(4) التحالف بين النادي الروتاري و توست ماستر ، ملف بور بوينت powerpoint مرفق
(5) المصدر السابق ص 13
(6) خليل إبراهيم حسونه ، حول الحركات الهدامة ، مكتبة جزيرة الورد ، عام 2005 م ، ص 110

(19)

مازال الحديث مستمر حول العولمة ، ولكي تكتمل الصورة أين نحن من مصطلح عالمية الإسلام ، و إستكمالا لما مضى من الحديث عن الركن الأول الذي بني عليه مفهوم العولمة وهو إلغاء الحدود الجغرافية فلا اعتبار لمسألة الوطن ، فأنت مواطن في المنظومات الاجتماعية التي تديرها النخب الرأسمالية ، فالمواطن هو الركن الثاني الذي تهتم به العولمة ، ما هي صفاته ؟ الجواب ركزوا معي رجاءً .أنت عندما تخرج من البيت و تلتقي مع الناس ، تستطيع التمييز بين من هو مواطن وبين من هو غير مواطن ، ما هي هذه المواصفات التي يجب أن تكون في المواطن كي تتعرف عليه وتشير إليه إنه مواطن ؟

الجواب: جاء في النظام الأساسي لكل دولة مثلا في سلطنة عمان النظام الأساسي نص على أن :-
” كما يحدد النظام الأساسي للدولة حقوق وواجبات المواطنين العمانيين التي تتضمن عدم التمييز بأي شكل من الأشكال، وحرية التعبير والتجمع، وحق المشاركة في القرارات السياسية للدولة، وحق الملكية الخاصة والحق في الخصوصية الشخصية وحرية الدين والمساواة بين الجنسين”.(1).

وفي 10 ديسمبر 1948م، تبنت جمعية العامة للأمم المتحدة القرار 217 (الثالث) تنص المادة الثانية منه على أن “لكل فرد الحق في التمتع بجميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالعرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الآراء السياسية أو غير السياسية أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو مكان الولادة أو أي وضع آخر. علاوة على ذلك، لا يجوز التمييز بين الأفراد وفق المركز السياسي أو القضائي أو الدولي للبلد أو الإقليم الذي ينتمون له، سواء كان مستقلًا أو مؤتمنًا أو غير متمتع بالحكم الذاتي أو خاضع لأي شكل آخر من أشكال السيادة “. (2) .

سؤال في ظل مفهوم العولمة أي من هاذين التعريفين ستأخذه العولمة ، التعريف الأول والذي جذوره وطنية ومحلية ولأهل البلد ، أم التعريف الثاني الذي يلغي كل أصناف التمييز والسماح للجميع بالمشاركة ، أي منهم ؟ الجواب : لا هذا ولا ذاك ، لماذا ؟ الجواب لأن العولمة تؤمن بوحدة الأراضي والحياة لجميع البشر على كوكب الأرض دون قيد أو شرط ، تحول هذا المواطن من مشارك في بناء الوطن إلى ورقة ضغط ، كيف ؟

الجواب :- الناخب شخص مسالم يتقدم لتمثيل ولايته أو منطقته في البرلمان ، أليس كذلك ، العولمة حولت هذا الناخب إلى ورقة ضغط لا للوصول إلى مقعد في البرلمان أو مجلس الشورى أيا كانت التسمية ، بل للوصول إلى السلطة ، كيف يصل هذا الناخب إلى السلطة في ظل العولمة ؟ الجواب ركزوا معي رجاءً

أولا : هناك ناخبون دوليون يشاركون مع هذا الناخب وهم مرتبطون بالشركات العملاقة أي النخب الرأسمالية . ثانيا : – الأشخاص المرتبطون بالإنتاج وترويج المنتجات بمعنى هناك أسواق تهيئ لإستقبال المنتجات من بلد هذا الناخب . ثالثا . الفئة التي ساعدت في ترويج البرنامج الانتخابي وهم المحليون القوميون الذين يعملون تحت مظلة مفهوم العولمة للمواطنة . لنوضح أكثر ،عندما دخلت أمريكا العراق واحتلتها في عام 2003 للميلاد صرفت أكثر من 30 تريليون دولار ، جزء منه صرف على تمويل القنوات الفضائية للشيعة والسنة .

هنا لعبت العولمة دورها و قالت للفرد الشيعي الذي يريد أن يتنفس بعد سقوط صدام ، خذ يا سيدي هذا المال وافتح قناة فضائية لك ،وأنشر مذهبك فهذا الشيعي كم قناة فضائية أصبحت لديه ؟ البعض عنده 6 قنوات فضائية والبعض الآخر 10 قنوات ، قائمة مطولة ، هذا الأمر ليس محل بحث حاليا . نفس المعادلة طبقت على الجهة السنية .

هؤلاء ضمن برنامج العولمة مواطنون عراقيون ولكن يخدمون من ؟ الشركات العملاقة التجارية فهم مواطنون في النظام العالمي المراد إنشائه ، فلا يحق لأحد التعرض لهم . الآن أنت انظر كم قناة فضائية شيعية تنشر الخرافات ؟ عدد لابأس به ، هل يستطيع أحد حتى المرجعية الدينية التعرض لها ؟ أبدا .

اذهبوا إلى شبكة اليوتيوب الإلكترونية المرئية ستشاهدون أشرطة مرئية شيعية فيها العجب العجاب من الكذب والتحريف والتزييف والتدليس وكلها باسم الإسلام ، وباسم أهل العترة الطاهرين ويعملون تحت مظلة المرجعية هل يستطيع هذا المرجع أو ذاك إيقاف هذه التجاوزات المعرفية ؟ الجواب كلا .

إذن العولمة اسقطت اعتبار المرجعية الشرعية . يقول د. حسن حنفي ” تظهر العولمة في احكام الحصار حول مناطق الاستقلال الاقتصادي أو السياسي أو الحضاري عن المركز ” ثم يقول ” فاحتمال ظهور قطب ثان وارد حضاريا من المنطقة العربية والإسلامية بإرثها التاريخي الثقافي الطويل ” (3) ما معنى هذا الكلام ؟ المعنى إن إسقاط اعتبار المرجعية الشرعية يعطي مساحة واسعة لإيجاد قطب ثان جديد من المرجعية الشرعية ضمن مفهوم العولمة ، ولكنه مرتبط بإرث تاريخي ثقافي طويل .

رابعا :- الجماهير المرتبطة بفوز هذا الناخب والاستفادة من الانتاج القادم . ومن هذا المنطلق أدت العولمة نمطين من المواطنة الأول : انتماء معنوي ناتج عن المكان ؛ وما يوجده من ارتباطات لغوية و عاطفية و دينية. والثاني : انتماء مادي مرتبط بشبكة التفاعلات التجارية والتنظيمية، كالمنظمات غير الحكومية مثل: جماعات الألفة والمودة ، وجماعة توست ماستر وغيرهم . سنتحدث عن منظمة الألفة والمودة لاحقا.

بالنتيجة العولمة جعلت حياة المواطن غير ثابتة ، ينتقل من مكان إلى مكان في آن واحد ، ومفتاح الدخول إلى هذا المكان أو ذاك ، هو الرمز السري لفتح حسابك على شبكة التواصل الاجتماعي .

نكمل بحثنا في الحلقة (20) إن شاء الله تعالى…… إلى اللقاء.

المصادر

البوابة الرسمية للخدمات الحكومية الإلكترونية ، النظام الأساسي للدولة .أضغط على الرابط النظام الأساسي للدولة – سلطنة عمان
(2) موسوعة ويكابيديا . أضغط على الرابط موسوعة ويكابيديا

(3) د. حسن حنفي ، الثقافة العربية بين العولمة والخصوصية ، منشورات جامعة فيلادلفيا ، عمان ، الأردن ، عام 1999م ، ص 30

(20)

لقد وجدنا فيما مضى إن العولمة لها تاثير قوي على حياتنا اليومية ، وهذه التأثيرات أصبحت لها أبعادً مختلفة من الحقوق الاجتماعية ، والفكرية ، والاقتصادية ، والثقافية ، كل ذلك من أجل بناء منظومة موحدة لتجتمع فيه البشرية ، تأسست على أركان ثلاثة ، تعرفنا على ركنين و هما الوطن والمواطن . ناتي إلى الركن الثالث وهو الإنسان قد يقول قائل أليس كلمة المواطن والإنسان يحملان نفس المعنى ؟ الجواب كلا ، أنت عندما تطرق باب الأخصائي في الإرشاد الأسري أو النفسي ، وتسأله عن معنى الإنسان ، سيقول لك ، كلمة الإنسان مشتقة من الأنس أي أن الإنسان يأنس لبني جنسه ، أما كلمة المواطن فمشتقة من الوطنية ، أي حب الوطن ، فهو يحب وطنه ، لهذا سمي بالمواطن .

نحن قلنا في الحلقة الماضية أن المواطن في العولمة أن يعيش على كوكب الأرض دون قيد أو شرط ، فهي تلغي كل مواصفات المواطنة التي تحددها الدول في دساتيرها .سؤال ما هي مواصفات الإنسان التي تريدها العولمة ؟

الجواب : من العلوم التي ولدت وتطورت في الثقافة الإسلامية علم التصوف والعرفان فبناء الإنسان في هذا العلم أو ذاك هو أن يعرف الإنسان وظائفه مع نفسه و مع العالم و مع الله عزوجل ، فهل المطلوب هنا بناء إنسان ديني أم بناء إنسان صوفي أم عرفاني ؟ مؤكد بناء إنسان صوفي أو عرفاني ، الفقيه عندما يريد إلقاء الدروس في الفقه على الطلبة أي إنسان يريد أن يبنيه ؟ الجواب : الإنسان الديني يعرف أحكام الشرع .

إذن كل علم له نظرة تختلف عن الآخر في مواصفات الإنسان الذي يريد بنائه ، العولمة أيضا لها مواصفات لبناء هذا الإنسان ما هي هذه المواصفات ؟ الجواب : العولمة لا تريد إنساناً إلهياً ، ولا تريد إنساناً دينياً ، ولا تريد إنسانا عقائدياً ، وإنما تريد إنساناً مادياً ، ليس المادي بمعنى أنه لا يؤمن بالله عز وجل ، لا أبدا ، لا مدخليه في إيمان الإنسان بالله عزوجل في فكر العولمة ، ولكن لا مانع من أن تجعل هذا الإيمان في مسجدك ، أو في بيتك .

العلمانية أيضا تنحو إلى نفس الاتجاه، الفرق بين العلمانية و العولمة الآخيرة لا تتدخل في من سيحكم ، لهذا العولمة توسعت قليلا عن باقي النظريات الاجتماعية في صياغة العلاقات الاجتماعية ، فهي تجعل العلاقات الاجتماعية بعيدة عما يعتقده الإنسان ، وهكذا تتوطد العلاقات بين البشر بالألفة والمودة . هل سمعتم بجمعية الألفة والمودة أم لا ؟ تعالوا معي لنتعرف عليها . ما هي هذه الجمعية ؟ الجواب :- هي جمعية تتشكل حول هدف مشترك أو مصلحة مشتركة ، ينتمى إليها الأفراد إما بشكل رسمي أو غير رسمي . ما هي أهداف هذه الجمعية ؟

أولا :- ايجاد التقارب الاجتماعي ، مثلا أنتم في الأسرة الواحدة ما هي الميول المهنية بالاتجاهات والرغبات لدى الفرد ، بحيث يعتبر الفرد هذا العمل هو ما سيحقق له طموحاته و أهدافه ؟ قد يقول قائل أنا أميل إلى قراءة الكتب الفلسفية ، والآخر يقول أنا أميل إلى العمل التطوعي في مساعدة المرضى ، و الآخر سيقول أنا أميل إلى مساعدة المعاقين في إنهاء معاملاتهم الرسمية ، جيد ، سنسأل هذا الذي يميل إلى قراءة الكتب الفلسفية ، كم شخصاً في عائلتك أو مجتمعك تتطابق ميولهم معك ؟ سيجيب 5 أشخاص ، هذه الجمعية ستقول له اجتمعوا أنتم الخمسة وناقشوا ما قرأتم في الفلسفة ، طيب اجتمعنا وناقشنا ما قراناه ، ثم ماذا ، هنا نأتي إلى الهدف الثاني وهو:- إيجاد الدعم القانوني لهذه الجمعية ، بمعنى إعطاء شرعية قانونية لهؤلاء الخمسة في إنشاء منظومة قانونية باسم جمعية قراء الفلسفة

طيب أخذت الجمعية الدعم القانوني ، ثم ماذا ؟ نأتي إلي الهدف الثالث وهو:- إيجاد من يشترك معهم في هندسة إدارة هذه الجمعية ، بالنتيجة تكون للجمعية تسلسل هرمي في إدارة مصالح أعضائها . مثال آخر عندما تسمع أن فلاناً او فلانة هو سفير أو سفيرة للنوايا الحسنة، هذه السفارة منبثقة من النادي أعضائه ميولهم توطيد العلاقات مع المجتمعات البشرية خارج الحدود الجغرافية ، وهناك جمعية ضد الإجهاض ، و هناك جمعية حقوق الحيوان ، و هناك جمعية المثليين ،و هناك جمعية الصداقة مع هذه المنظمة أو تلك ، قائمة مطولة من الجمعيات . وكلها تعمل تحت مظلة جمعية الألفة والمودة التي انبثقت من منظمة هياس ضمن منهجية تقديم المساعدات الإنسانية ولكن هدفها تقديم خدمات إنسانية لتوطين اليهود .

تعمل هياس حالياً على إعادة توطين معظم اللاجئين المستضعفين من جميع الأديان والأعراق في جميع أنحاء العالم. لكنَّ هياس، بصفتها منظمة، لا تدعي أنها تنقل عقيدتها للغير من خلال شبكتها الإنسانية ، ولا تنشر عقيدتها على المستفيدين و لا على الشركاء. و تقوم بتدريب كوادر لا هدف لهم سوى الالتزام بالمهنية في العمل الإنساني ، و يؤكدون أنّ العقيدة ليست ضرورة للتضامن .(1) فأسقطت بذلك ورقة الإسلام السياسي.

هذه الجمعيات أو النوادي تصنف بأنها منظمات داخلية ، وهناك نوادي تصنف بأنها منظمات خارجية مثل توست ماستر والروتاري . إذن جمعية الألفة و المودة أوجدت نوادي اجتماعية متعددة المهارات و من مختلف شرائح المجتمع ، فأصبح كل فرد يمارس دوره ضمن قدراته المهنية ، دون تدخل من أحد .

فالإنسان هنا لا يهتم لا بثقافة أحد ، و لا بديانة أحد ، و لا بعقيدة أحد، سوى اهتمامه بالمهنة التي يمارسها ، الكل ذاب في بوتقة هذه الجمعية ، فتوسعت دوائرها عالميا ، بحيث لا يستيطع أحد ممارسة أي ضغط على هذا الإنسان الذي هو تحت حماية هذه الجمعية التي لا تغيب عنها الشمس ، فهم مطلعون على كل الخفايا وأسرار المجتمع (2)

فالإنسان تمركز قراره في واحة السلم وجنة الاستهلاك والترفيه عن النفس ، فكان حلم الانتقام من الماضي قد تحقق له ، وبتالي أصبحت العولمة ملاذا يعوض فيه الإنسان أحلامه ويهرب من حاضر مقيت وفكر متزمت .
نكمل بحثنا في الحلقة (21) إن شاء الله تعالى …. إلى اللقاء.

المصادر :

(1) جذور يهودية للمساعدات الإنسانية أضغط على هذا الرابط >جذور يهودية للمساعدات الإنسانية
(2) يمكنكم الإطلاع على تفاصيل أكثر عن جمعية الألفة والمودة في هذا الرابط > حمعية الألفة والمودة

الخطاب الديني في عصر العولمة والحداثة (21)

عالمية الإسلام ، مصطلح العالمية في الإسلام متى استخدم أول مرة ؟ الجواب عندما نزل القرآن الكريم على قلب خاتم المرسلين وجدت هذه الآية فيه ” و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ” (1) ماذا تعني هذه الآية ؟ المعنى أن الإسلام سيعم الكرة الأرضية ، وأن البشرية جمعاء ستعتنق الدين الإسلامي أليس كذلك ، هل عند أحدكم رأي آخر ؟ الجواب : كلا ، ممتاز .

إذن الدعوة الإسلامية عندها مشروع عالمي ، تريد من البشر جميعا أن يكونوا مسلمين ، هذه الدعوة ظهرت في مكة وكانت هناك ديانات أخرى قبلها كالمسيحية واليهودية . سؤال هل عند هذه الديانات أيضا مشروع عالمي أم لا ؟ الجواب نعم المسيحية تعتبر رسالة عيسى النبي (ع) عالمية .أما الفكر اليهودي ليس دعوى عالمية وهو يعتقد أنه شعب الله المختار فيدعو الآخرين أن يكونوا تحت طاعته وليس أن يكونوا يهوديين ، لهذا اختلف اليهود في تطبيق من هو اليهودي ، المهم و صل عدد اليهود في العالم إلى 14 مليون يهودي (2) فأنت عندما تطلب منه الدخول إلى الدين الإسلامي هل سيقبل به أم لا ؟ بكل تأكيد لن يقبل ، بل سيعتبر أنك تصدر الدعوة .

أنتم تتذكرون عند نجاح الثورة الإسلامية في إيران ماذا كنا نقرأ عن الإمام الخميني في الصحف والمجلات ؟ إنه يريد تصدير الثورة ، هنا نفس المنطق المسيحية اعتبرت الرسول الأكرم (ص) يريد تصدير الفكر المحمدي ، واليهود كذلك فوقع التصادم بينهم ، المسيحية وافقت على دفع الجزية والتعايش مع هذا لفكر الجديد ، واليهودية حملت السيف لقتاله (ص) ، فالصدام وقع بين الديانات منذ بداية الدعوة ، وما أن استتب الأمر للنبي الخاتم (ص) حتى بعث رسائل إلى ملوك الفرس والروم واليمن والبحرين وعمان ، جاء في نص رسالته (ص) إلى قيصر الروم ” بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى: أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت عليك إثم الأريسيِّين” (3) . و جاء في رسالة له (ص) إلى منذر بن ساوى ملك البحرين وكان منذر تابعا لدولة الفرس “بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله -صلى الله عليه وأله سلم- إلى المنذر بن ساوى، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك إلى الإسلام، فأسلم تسلم يجعل الله لك ما تحت يديك، وأعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر”.

الآن هذه الرسائل حملت مضامين خطيرة ترجمها الآخرون أنها التهديد من أجل السيطرة خاصة عبارته (ص) أسلم تسلم ماذا فهموها؟ إذا لم تذعن لي سأضرب عنقك أو عليك إثم الآريسيين بعبارة أخرى لعنة الله عليك . طبعا أنا وأنت نعرف أنها دعوة حق وأن كل فعل وقول للنبي الخاتم (ص) هو رحمة للعالمين ، ولكن غيرك كيف ينظر إلى التاريخ وإلى الدعوة الإسلامية . جورج بوش الإبن عندما غزا أفغانستان على خلفية هجمات 11 سبتمبر عام 2001 للميلاد ماذا قال ” أن الله يقف إلى جانب قوى الخير التي تمثلها الولايات المتحدة الأمريكية” فالغرب إذا سألته لماذا تشن الحروب علينا ، سيقول هكذا جاء في مزمور التوراتي 23 ” تقدم إلى الأمام ودافع عن الحرية وعن كل ما هو خير وعدل في عالمنا” وفي ثقافتنا الإسلامية كيف انتشر الإسلام ؟ الجواب بمال خديجة وسيف علي ابن أبي طالب .

أنتم ارجعوا إلى الفتوحات الإسلامية ما انقضى قرن من الزمان إلا و نصف الكرة الأرضية يحكمها خليفة المسلمين . ثقوا تماما مسألة إجبار الناس على اعتناق فكر معين أصبح من المشتركات مع الفكر الآخر ، الفكر الصوفي الهندوسي ومن يمثله البعض منهم اليوم هو سادو جرور قال نحن لا نريد المسلمين في الهند لأنهم ارتكبوا مجازر في بلدنا (4) . أنا لا أتحدث هل سادو جرو صحيح فيما ذهب إليه أم لا أو جورج بوش الإبن صحيح فيما ذهب إليه ، أم لا هذه الجزئية سأتطرق إليها لاحقا ، ولكن العالم كيف ينظر إلى انتشار الإسلام ، وأبيك هو لا ينظر إليك أنك تحمل رسالة عالمية .

قد يقول قائل الفتوحات الإسلامية كانت دفاعية ، جيد ، والغرب يقول لك حروبنا وقائية لهذا سأسقط أنا الحاكم الفلاني حتى تتمتع أنت بحرية اختيار الحاكم ، لهذا وجدنا العولمة لا تريد إنساناً إلهياً ولا تريد إنساناً عقائدياً ولا تريد إنساناً دينياً بل تريد إنساناً ماديا. من هنا بدأ التصادم الفكري في أمور كثيرة ، تصادم في العقيدة ، تصادم في الثقافة تصادم في الرؤية للكون ، وتصادم في البناء الأيدلوجي .

أنا لن أذهب بعيدا ، أكثر الدراسات النقدية الفلسفية عند المسلمين في الآونة الأخيرة كانت نقدا للفكر الفلسفي المسيحي ، ستيفن هوكينغ مسلم أم مسيحي ؟ الجواب مسيحي ، وهذا يدل أنه بمجرد أن خرج الفكر الإسلام الفلسفي خارج الحدود الجغرافية اصطدم مع الفكر المسيحي مباشرة ، لماذا ؟

الجواب :- نفس المنطق أنك تريد تصدير الدعوة الإسلامية لهذا تجد المسيحية عندهم دعوى للتبشير ودخل المسلمون معهم في تصادم ، هناك عشرات الكتب في الرد على النصارى ، علاوة على ذلك المناظرات التي قام بها المرحوم الشيخ أحمد ديدات و ذاكر نايك مع النصارى .

المصادر
سورة الأنبياء ، آية 107
(2) عدد اليهود في العالم > عدد اليهود في العالم
(3) رسالة النبي الخاتم إلى قيصر الروم > رسائل النبي الخاتم (ص) إلى الملوك

(4) سادجرو لا يريد المسلمين في الهند > سادجرو لا يريد المسلمين في الهند